مُنتقل..

أبريل 18, 2012

نظرًا لما أواجهه مؤخرًا وبشكلٍ مُلحّ في استضافة الووردبرس, والتعطل شبه الدائم بحيث يعقيق إضافة أو تحرير التدوينات, قررت التوقف هنا..

والتعامل مع “تمبلر” حيث سهولة التحرير والإضافة وملائمته لما أحتاج, شكرًا لهذه المساحة التي احتوتني زمنًا..

أسعد بكم هنا “ http://6roos.tumblr.com/ ”  

(F) ..

Advertisements

أواهنٌ قلبُك؟..

مايو 17, 2011


أواهنٌ قلبك؟ لا بأس عليه..غريب بين قلوب من حوله ولم يألف له خليلا ومثيلا..

ذاك الغضّ الحليم الذي لم تزده شدائد الأيام إلا حلما وصبرا..قلبٌ كإيّاه عبءٌ على صاحبه.. لم يفضِ يوما بما يخالجه ولا شكى..

أوّاه.. لو أنَّ سائر قلوب الخلق مرضت كقلبك, فلربّما استصّحت.. ولربما حنى الكون بمن فيه وفاض الحلم..

راودني أن أُعيرك قلبي لكنما صرفني عن ذاك أنه ليس بذات نقاء وصفاء ما تُكنّه بين ضلوعك..

لا يساويه حلما ولا رحمة, ولا قوة اصطبار, أخاف عليك منه.. وحده الشيء الذي لم تورّثني إياه,  ويا أسفى!..

لا أعتب على قلبٍ أتعبك اليوم.. فكم مصيبةً احتمل؟ وكم حادثةٍ قبضته؟ وكم طوى وأغضى؟ موت ثمانية من الولد تلاه فقد الزوج..

وأردفه أن يرى من صحبته في دنياه واحتملته حتى جاز صباه وشبّ, تصارع الأدواء بعد الأدواء حتى احتملها “هو” من بعد مشيبه فوق كتفيه و سفى عليها ثرى الأرض مخضّبا بماء عينيه..
عَضدَ المُصاب إخوةً رآهم رأي العين يذبلون وتغرس يد المنون في أحشائهم أنصالها, حتى غدوت وحدك من يتقن لغة الفقد لفرط ما استودعتَ من أحباب, وتدري ما أبجديّة الفراق..

يا حبيبي, هاك كلي وجسدي.. دُسّ به ما نغّص وأنكد جسدك الواهي وما راكمته السنون ولا تبالي.. لا هناءة لي ولا طيب عيش وأنت مسجّى بالبياض يلفّك, وبتلك الأنابيب التي أرهقتك..

يؤذيني إلتحاف البياض لو تعلم.. يفزعني منظره وأبغضه, كنتُ اليوم بأسوأ حالٍ وأرداه, لم أطق الذهاب لرؤيتك, أدري بعجزي عن احتمال مرآك, أنا اليوم أبعدهم عنك جسدا وأقربهم لك شعورا..

عهدي بالدمع قديم, لكنه اليوم ثجّاج يكاد يُذهب بعينيّ.. لا لقمة أسيغ, ولا يطيب لي قرار, أحاول أن أسلو ولا قدرة لي.. قبل اليوم ظني بي أني أجلد وأقدر على الاحتمال, واليوم كقشّة في ريح هصور..يكاد يفرق فؤادي جزعا..

عِدني أن تعود بمحيّاك البارق ومبسمك الحاني كالذي اعتدته, عدني أن يطرّز سمعي كل صباح صوتك وأنت تسقي زرعك وتعبق الاجواء قهوتك المهيّلة..

أنا من كنت أهرب من والدي لأحتمي منه خلفك, من أراه بين الرجال ذا مهابةٍ وتقدير واعتبار, ومعي يتصابى ويركض خلفي..

لا زلت طفلتك التي تنسى معها مهابتك, لا تبالي بمنظرك وأنت تلاعبها غير مكترث بشعرك الأشيب وهيئتك الوقور..

لا تزال أدق تفاصيل صباحاتنا سويا طي ذاكرتي وأنا ألحّ عليك أن نستفتحها كل يوم بـ”سوبر ماركت” جديد, وتلبّي طائعا محبّا حانيا..
الرجل الذي كان يزهو بي ويفخر إن أتيته مستبشرة بشهاداتي, ويتوّجني بعبارة تطرب قلبي وأتراقص لها أكثر من كافّة شهادات الدنيا: ” كفو.. بنتي اللي أعرف ” وتربت يداك على كتفيّ..
عُد أنت الآن من أجلي: جدّي الذي أعرف..

“اللهم رب الناس, أذهب الباس.. واشفه أنتَ الشافي, لا شفاء إلا شفاؤك.. شفاءً لا يغادر سقما”
حسبي الله ونعم الوكيل وكفى..

صور حيّة لمدينة فاضلة لم يكتبها فيلسوف .

سبتمبر 3, 2010

أيُّ حنين يساورك و يتجذّر فيك عند قراءتك للسيرة النبوية؟ و أي رغبة تسكنك و تستكين معها و تتمنّى بها لو تطوي دهور زمانك لتدسّ نفسك بين ظهراني رجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه .

ما إن أطّلع في كل مرة على السيرة النبوية من لحظة : غار حراء, و إنفراج السماء و صلتها بالأرض, و لحظات الصدع بالحقّ و توالي المواقف و المصاعب و الثبات و العزم و الحزم, إلا و أجدني مُلزمة في التوقّف و التمهل لتملّي صور ذاك المجتمع صورةً صورة, من ميلاده و نشأته , و شخوصه و كأنه ماثلٌ نصب عينيّ, و أتتبّع تاريخه حتى اللحظة! .

اتأمّل بداياته, نفوس و شخصيات من كانوا قبل أن يعرفوه و بعدما عرفوه ” كموقف عمر بن الخطاب مثالاً لما كان عليه فيما حكته عنه ليلى بنت أبي حثمة زوج عامر بن ربيعة رضي الله عنهما, قالت فكنّا سنرحل إلى أرض الحبشة, و قد ذهب عامر في بعض حاجاتنا, إذ أقبل عمر بن الخطّاب و هو على شِركه , حتى وقف علي و كنا نلقى منه البلاء, أذى لنا و شدّة علينا , قالت فقال لي: إنه للأنطلاق يا أم عبد الله ؟! , قالت : نعم والله ؛ لنخرجنّ في أرض الله , آذيتمونا و قهرتمونا. حتى يجعل الله مخرجاً, فقال : صحبكم الله, و رأيتُ له رقّةً لم أكن أراها, ثم أنصرف و قد أحزنه – فيما أرى – خروجنا, قالت : فجاء عامر بحاجته تلك, فقلت له: يا أبا عبد الله, لو رأيت عمر آنفاً و رقّته و حزنه علينا. قال : أطمعتِ في إسلامه؟ قلت : نعم . قال: فلا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطّاب , قالت : يأساً منه لما كان يُرى من غلظته و قسوته عن الإسلام* .

و اتساءل : أيُّ قوّة في منهج كالإسلام و دعوة كتلك, حوّرت المفاهيم و استبدلت القوانين و قضّت الأُسس و ابتنتها في النفوس من غير ذات المادّة و خلقتها نفوساً بغير ما كانت عليه!, تأسيس راسخ , قويم , عميق ما بين المهاجر و الأنصاريّ, و السيّد و المولى, و الغنيّ و الفقير, ما بين قبيلة و أخرى.. لينسج منه مجتمعاً أشبه بمدينة فاضلة ذات موازين ترعى الفروق البشرية ..

نُسج مجتمع مُغاير بإجتثاث العادات و الأخلاق التي تعتمد على الفروق و المفاضلة في النسب أو القبيلة أو المال, لتحلّ صورة التآلف و الانسجام [ و ألّف بين قلوبهم , لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم ] و عقدهم بآصرة العقيدة ( أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ) , فكرة واحدة لتربط ما بين بشرٍ و آخر و ميزان تفاضل ..

أتلمّح صور الإخاء و الإيثار و البذل صادقة غير مشوبة, يتمثّلها الأنصار بنفوسٍ مطمئنّة زاهدة فيما تبذله, ممتلئة بيقين ما تمثّلته , يأتي سعد بن الربيع بعد حلول قوافل المهاجرين للمدينة, بأمتعتهم الخواء و الوفاض خالٍ و الوطن الذي تخلّوا عنه , ممتليء الأرواح, أغنياء بالإيمان مستزيدين منه و به , يأتي سعد لعبد الرحمن بن عوف, فيعرض عليه فيقول : إني أكثر الأنصار مالاً, فأقسمُ مالي نصفين, و لي امرأتان, فانظر أعجبهما, فسمّها لي, أطلقها, فإذا انقضت عدّتها , تزوّجها ” .

فما يفتأ عبد الرحمن رضي الله عنهما إلا أن يقول: بارك الله لك في أهلك و مالك, و لكن دلّني على السوق, فإني رجلٌ تاجر”
مجتمع بأفراد كاللبنات الأولى تلك , أدركت شخوصه بأن ما اعتقدوا لا يكتفي بإيمانٍ بفكرة دون إمتثال , و مصابرة و مُجاهدة, و ربط الدنيا بالدين, و الأولى بالآخرة, علمٌ أردفه عمل, و همّةٌ بذلت معها النفوس و الأرواح قبل الأموال و الأملاك, أرواح أيقنت أنّ قيمتها لن تتحقق إلا أن ساوت نفسها بغيرها ممن يدين بما تدين, و لن تعزِّ إلا أن تُذلّ الرغبات و تكبح جماحها و تسيّرها وفق ما أراد مُنشؤها ..

الصور زاخرةً فاخرة, لا تكاد تحصرها أو تقتبس منها إلا و أغدقتك بإيمانٍ حقّ بكون ذاك المجتمع الأوّل ذا تعاليم خارجة عن تقعيد و تصوّر لفلاسفة و مفكّرين و بشر, و فضلاً عن ذاك : و هل لمجتمع ما كان سيقوم و يبقى مدّة خمس عشرة قرن بتعاليم نبيِّ أُميّ جاء بالمعتقد و الأفكار من لدن نفسه؟ عليه صلوات الله و سلامه تترى .

( * ) : من التاريخ الإسلامي – السيرة – لمحمود شاكر, ص : 102 .