Posts Tagged ‘سيرة’

صور حيّة لمدينة فاضلة لم يكتبها فيلسوف .

سبتمبر 3, 2010

أيُّ حنين يساورك و يتجذّر فيك عند قراءتك للسيرة النبوية؟ و أي رغبة تسكنك و تستكين معها و تتمنّى بها لو تطوي دهور زمانك لتدسّ نفسك بين ظهراني رجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه .

ما إن أطّلع في كل مرة على السيرة النبوية من لحظة : غار حراء, و إنفراج السماء و صلتها بالأرض, و لحظات الصدع بالحقّ و توالي المواقف و المصاعب و الثبات و العزم و الحزم, إلا و أجدني مُلزمة في التوقّف و التمهل لتملّي صور ذاك المجتمع صورةً صورة, من ميلاده و نشأته , و شخوصه و كأنه ماثلٌ نصب عينيّ, و أتتبّع تاريخه حتى اللحظة! .

اتأمّل بداياته, نفوس و شخصيات من كانوا قبل أن يعرفوه و بعدما عرفوه ” كموقف عمر بن الخطاب مثالاً لما كان عليه فيما حكته عنه ليلى بنت أبي حثمة زوج عامر بن ربيعة رضي الله عنهما, قالت فكنّا سنرحل إلى أرض الحبشة, و قد ذهب عامر في بعض حاجاتنا, إذ أقبل عمر بن الخطّاب و هو على شِركه , حتى وقف علي و كنا نلقى منه البلاء, أذى لنا و شدّة علينا , قالت فقال لي: إنه للأنطلاق يا أم عبد الله ؟! , قالت : نعم والله ؛ لنخرجنّ في أرض الله , آذيتمونا و قهرتمونا. حتى يجعل الله مخرجاً, فقال : صحبكم الله, و رأيتُ له رقّةً لم أكن أراها, ثم أنصرف و قد أحزنه – فيما أرى – خروجنا, قالت : فجاء عامر بحاجته تلك, فقلت له: يا أبا عبد الله, لو رأيت عمر آنفاً و رقّته و حزنه علينا. قال : أطمعتِ في إسلامه؟ قلت : نعم . قال: فلا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطّاب , قالت : يأساً منه لما كان يُرى من غلظته و قسوته عن الإسلام* .

و اتساءل : أيُّ قوّة في منهج كالإسلام و دعوة كتلك, حوّرت المفاهيم و استبدلت القوانين و قضّت الأُسس و ابتنتها في النفوس من غير ذات المادّة و خلقتها نفوساً بغير ما كانت عليه!, تأسيس راسخ , قويم , عميق ما بين المهاجر و الأنصاريّ, و السيّد و المولى, و الغنيّ و الفقير, ما بين قبيلة و أخرى.. لينسج منه مجتمعاً أشبه بمدينة فاضلة ذات موازين ترعى الفروق البشرية ..

نُسج مجتمع مُغاير بإجتثاث العادات و الأخلاق التي تعتمد على الفروق و المفاضلة في النسب أو القبيلة أو المال, لتحلّ صورة التآلف و الانسجام [ و ألّف بين قلوبهم , لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم ] و عقدهم بآصرة العقيدة ( أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ) , فكرة واحدة لتربط ما بين بشرٍ و آخر و ميزان تفاضل ..

أتلمّح صور الإخاء و الإيثار و البذل صادقة غير مشوبة, يتمثّلها الأنصار بنفوسٍ مطمئنّة زاهدة فيما تبذله, ممتلئة بيقين ما تمثّلته , يأتي سعد بن الربيع بعد حلول قوافل المهاجرين للمدينة, بأمتعتهم الخواء و الوفاض خالٍ و الوطن الذي تخلّوا عنه , ممتليء الأرواح, أغنياء بالإيمان مستزيدين منه و به , يأتي سعد لعبد الرحمن بن عوف, فيعرض عليه فيقول : إني أكثر الأنصار مالاً, فأقسمُ مالي نصفين, و لي امرأتان, فانظر أعجبهما, فسمّها لي, أطلقها, فإذا انقضت عدّتها , تزوّجها ” .

فما يفتأ عبد الرحمن رضي الله عنهما إلا أن يقول: بارك الله لك في أهلك و مالك, و لكن دلّني على السوق, فإني رجلٌ تاجر”
مجتمع بأفراد كاللبنات الأولى تلك , أدركت شخوصه بأن ما اعتقدوا لا يكتفي بإيمانٍ بفكرة دون إمتثال , و مصابرة و مُجاهدة, و ربط الدنيا بالدين, و الأولى بالآخرة, علمٌ أردفه عمل, و همّةٌ بذلت معها النفوس و الأرواح قبل الأموال و الأملاك, أرواح أيقنت أنّ قيمتها لن تتحقق إلا أن ساوت نفسها بغيرها ممن يدين بما تدين, و لن تعزِّ إلا أن تُذلّ الرغبات و تكبح جماحها و تسيّرها وفق ما أراد مُنشؤها ..

الصور زاخرةً فاخرة, لا تكاد تحصرها أو تقتبس منها إلا و أغدقتك بإيمانٍ حقّ بكون ذاك المجتمع الأوّل ذا تعاليم خارجة عن تقعيد و تصوّر لفلاسفة و مفكّرين و بشر, و فضلاً عن ذاك : و هل لمجتمع ما كان سيقوم و يبقى مدّة خمس عشرة قرن بتعاليم نبيِّ أُميّ جاء بالمعتقد و الأفكار من لدن نفسه؟ عليه صلوات الله و سلامه تترى .

( * ) : من التاريخ الإسلامي – السيرة – لمحمود شاكر, ص : 102 .



Advertisements